الهجرة في ليبيا

الهجرة سلوك غريزي

الهجرة سلوك مكروه على الرغم من غريزيته ، خلقنا الله خلفاء له في الأرض لنعمل لنتعلم ولنعمر و لم يختصنا بحدود جغرافية ولا بأوراق ثبوتية ، خلقنا بعقول تتفكر وتتدبر، نبحث دائما عن فرص أفضل سواء كانت في العمل او العلم أو المعيشة، و كذلك للبحث عن مكان آمن لنمارس فيه أفكارنا ومعتقداتنا، خلقنا الله على فطرة البحث عن البيئة التي نستأمن فيها على أرواحنا وأرواح أحبائنا فالهجرة ظاهرة قديمة من خلالها  تلاقت الحضارات و إنتقلت الثقافات و أثريت المجتمعات، التاريخ مليء بقصص المفكرين و العلماء والرسل والأنبياء الذين هاجروا بحثا عن أماكن توفر لهم بيئة مناسبة لممارسة معتقداتهم والتعبير عن عقائدهم و أفكارهم مبتعدين عن وطنهم الأم عندما ضاقت بهم، كما شهد التاريخ هجرات فردية و هجرات جماعية و دائما ما يترتبط هذا السلوك بالبحث عن سبل العيش الأساسية و من بعد ذلك على مساحات تعبير عن أفكاره ومعتقداته. فلماذا اليوم أصبح المهاجرون واللاجئون  الغير قانونين الباحثون عن حياة أفضل، يعاقبون لإتباعهم لسلوكهم الغريزي ! . لماذا اليوم أصبحت هذه الفئة منبوذة،  تعيش على هامش الإنسانية وتحسب حياتهم بمجرد أرقام تنسى وتضيع مع كوم الأوراق .

لماذا هاجروا ؟

لكي نتمكن من رسم صورة تسلسيلة عن هذه الظاهرة يوجب أن نتطرق للدوافع والأسباب التي تدفع هذه الجماعات البشرية للإقدام على الهجرة تأتي في المقام الاول الأسباب الإقتصادية ومن ثم الامنية وأيضا الفكرية ، عندما نجاوب عن سؤال لماذا هاجروا وجب علينا أن لا نتجاهل البعد التاريخي والسياسي وتأثيرته على هذه الظاهرة التي لا تعتبر حديثة ، في القرنين الماضيين إستعمرت دول أوربية أخرى أفريقية وعلى الرغم من إنتهاء حقبة الإستعمار منذ خمسينات والستينيات القرن الماضي إلا ان لا تزال هنالك قوانين إستعمرية تلزم بعض الدول في إفريقيا بوضع 85% من إحتياطيه الأجنبي في بنوك مستعميرها، مما أثر بشكل سلبي على التنمية الإقتصادية و المجتمعية لدى هذه الدول . وإلى هذه اللحظة المجتمع الدولي لم يجد الطريقة السلمية للتعامل مع هذه الأزمة بل  أن سوء التعامل معها جعلها تزداد سوءا وتعقيدا يوما بعد يوم.

موقع ليبيا الجغرافي جلعها منذ قديم الأزل أرض عبور لضفة المقابلة ، أخر تقرير لمفوضية السامية لشؤون اللاجئين يشير بأن ثلاثة وأربعين ألف إنسان جاؤا إلى ليبيا بحثا عن حياة أفضل ، معظمهم عبروا الصحراء بطرق غير قانونية عن طريق عصابات و شبكات تهريب التي تعمل بشكل دولي ما بين بلدان المنشأ وبلدان العبور وصولا إلى أرض الأحلام الأوروبية كما يعتقدون.

عند وصولهم للأراضي الليبية وتحديدا الصحراء تبدأ عملية المهربين المحليين الذين ينقلون المهاجرين شمالا بشكل تدريجي حتى إيصالهم لمهربي الساحل الذين يتولون مهمة الرحلة الأخيرة وهي عبور البحر ، وفي كل محطة يجب على المهاجر أن يدفع ثمن رحلته للمهرب وإن لم يستطع! … هنا تبدأ التراجدية الإنسانية في أبشع صورها ، حينها يتم إجبارهم على العمل بدون مقابل وبدون راحة حتى يسدد ما عليه من ديون ويتمكن من بدأ الرحلة التانية ، وهذا وإن صمد جسده من التعذيب والجوع والضرب والإغتصاب ! ، فمعظم المهاجرون الغير قانونيون يصابون بإضطرابات نفسية بعد خوض هذه التجربة و تطبع في نفوسهم ندوب نفسية يصعب محيها.

لم تنصفهم أوطانهم ولا الأوطان التي لجؤا إليها، وحده فقط الأمل الذي جعلهم متشبتين بحياة ربما ليس لهم عمرا ليعيشوها، هكذا تدور دوائرهم في حلقات مفرغة بين الحياة والموت، بين العجز وقلة الحيلة، بين الفقر و الجوع ، بين الشتم والضرب والتعذيب لعلهم في ليلة ما أو في فجر ما يجدون مأوى يقيهم شر النفوس وشر الفقر وشر البرد كل ذلك لا يغفرلهم، فبمجرد طرح كلمة هجرة أو مهاجر في أي مجمع إجتماعي، تكون ردود الفعل سلبية فتتهافت عبارات السخط على هؤلاء الغرباء وتعلو علامات الإشمئزاز على الوجوه ولا سيما أن الأداة الإعلامية تسوق لصورة نمطية على أن المهاجرين هم مجموعات من الفشلة والمجرمين الذين أتوا لينهبو او يقتلوا و يسرقوا خيرات البلد المستضيف!، فالغالبية العظمى من المجتمع غير مهتمين بقضايا المهاجرين و اللاجئين و غير متعاطفين و لا يريدون حتى الإطلاع على هذه القضية و على الرغم من إنها أكبر القضايا تعقيدا وأكثرها تشعبا ، ولها تأثيرات قصيرة وطويلة المدى على الأمن القومي والمجتمع

يتبع …

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لتوفير خدمة أفضل على موقعنا , و تسهيل تصفحكم ، بالنقر على زر موافق ، أنتم توافقون على استخدام ملفات تعريف الارتباط، يمكنكم معرفة المزيد من خلال النقر على زر سياسة ملفات تعريف الارتباط.

سياسة ملفات تعريف الارتباط