الهجرة في ليبيا

النازحون داخليا

تعالت الأصوات ، أختلطت ، و اقترب الخطر ، لا مفر من الهرب ، فالحيطان بدأت تتهشم والرصاص بدأ يتناثر هنا و هناك ، أصوات القذائف لم تتوقف و لا يمكن البقاء و لا الانتظار أكثر.

لملمت الأم ما لديها من أشياء و جمع الأب شتات نفسه قبل أن يصيح ، ( هيا بناء … بسرعة ) يتباكى الأطفال و هم خائفون و لا يعلمون ما يجري ، ترعبهم الأصوات ، و يرعبهم أكثر الطريقة التي يغادرون بها منزلهم ، تركوا العديد من أشيائهم في المنزل ، ذلك يعني أنهم سيعودون ، و لكن إلى أين هم ذاهبون ؟

تخترق السيارة الطريق بسرعة و يحاول الأب أن يتفادي كل خطر ممكن ، تجول بخاطره العديد من المواضيع و تحاول الأم تهدئة أطفالها ، و بعد برهة ، تباعد الخطر ، و لاح في الأفق ضوء المدينة المجاورة ، و لكنها ليست المقصد ، فأبناء العم المقصودون بالوجهة يبعدون 200 كيلومتر و السيارة لم تبلغ بعد 60 كيلومترا.

وصلت السيارة ، و بدأت مرحلة جديدة لم تعهدها العائلة ، مرحلة النزوح ، و التكيف مع الحياة الجديدة ، إلى حين إشعار آخر.

ما تمر به العائلة المذكورة في الأعلى يعرف بإسم النزوح الداخلي ، يطلق العديد منا عليهم إسم ( المهجّرين ) و هو مصطلح جديد يستخدمه العديد من الناس في ليبيا و لكنه يظل مصطلحا محلي الاستخدام ، و يبقى مصطلح النازحون داخليا هو الأصح في الاستخدام ، أيضا يستخدم مصطلح ( نازحون ) في بعض الأحيان الأخرى ، وقد يتحدث البعض فيقول ، النازحون و المهجّرون ، و كأن هنالك فرقا بينهم بينما المعنى المقصود هو النازحون داخليا .

حسنا ، النازح داخليا كما يعرف دوليا هو أي أنسان ترك منزله و أهله و مدينته مكرها ، و انتقل لمدينة أخرى ، و لكنه يظل في حدود دولته التي يحمل جنسيتها و هويتها و لم يعبر أي حدود دولية.

يجدر التنويه أن الثقافة في المجتمع الليبي تعتبر مرتفعة بهذا الخصوص نوعا ما ، فكثيرا ما تستخدم كلمة نازحون عند الحديث عن الليبيين و نستخدم ( هجرة غير شرعية ) عند الحديث عن غير الليبيين.

 يعتبر النازحون داخليا من أكثر الناس احتياجا للعون و المساعدة ، و في ليبيا ، هنالك لجان أزمة و مجالس بلدية و مجالس محلية تعنى باحتياجاتهم و تساهم بقدر جهدها في توفير كامل يد العون ، و لا ننسى أيضا الجمعيات الأهلية و المنظمات الدولية ، بل و حتى المواطنون البسيطون نراهم يقدمون العون ، حسنا ، لا يعني ذلك أن النازحون داخليا هم في حال جميل ، بالعكس تماما ، كل هذه الجهود المبذولة لا تزال بسيطة في ظل الاحتياجات المتزايدة.

طبقا لإحصائيات المنظمة الدولية للهجرة و التي تتعاون بشكل مباشر مع كل الجهات المذكورة بالأعلى ، يوجد حاليا أكثر من 313,236 نازح داخليا في ليبيا.

يختلف النازحون داخليا عن المهاجرين و اللاجئين ، و لكنهم يظلون من الفئات المستضعفة ، قد نتسائل ، كيف هم مستضعفون و هم داخل بلدهم و بين أهليهم ؟ حسنا ، ليس ذلك دائما الحال ، فكثيرا ما ينزح البشر داخليا لمناطق تختلف كليا عنهم في الثقافة وأحيانا اللهجة ، في ليبيا يوجد إختلاف واضح في الثقافات بين الجنوب و الشمال و الشرق و الغرب ، و لكن في دول أخرى ، توجد لهجات مختلفة كليا بين مدينة و أخرى ، توجد كلمات جديدة أحيانا ، نضيف لذلك الأطفال و البيئة التي تتغير عليهم كليا ، و لا ننسى الوضع المادي و الاجتماعي ، بالاضافة لضغوط الحياة ، و مصاريف السكن و إجراءات التسجيل في المدارس ، الوضع يختلف ، لا يعني بالضرورة أنه معقد فقد تكون الخدمات متاحة و متوفرة ، و لكن التغيير لشيء جديد مختلف لا يكون محببا للعديد من البشر. يجدر بي الذكر أيضا أن الوضع في ليبيا مختلف ، فبينما تتعبر المناطق التي ينزح لها الليبيون جيدة نوعا ما ، نجد أن العديد من النازحين في دول أخرى لا يجدون لهم سوى مخيمات لتأويهم.

النازحون يحملون في قلوبهم الألم و الأمل في العودة ، و هم دوما مرهقون بفكرة تقيض نومهم ، و سؤال يتردد ، هل يكون منزلنا موجودا حين نعود ؟ يتدافع بعد هذا السؤال المزيد من التساؤلات ، هل سيكون المنزل مأهولا؟ مدمرا ؟ هل نجت المدرسة من النزاع ؟ هل تدمر هذا؟ هل دمر ذاك ؟ كل ذلك يجول في دماغهم ، و يبقيه الوالدان في دماغهم و صدورهم ، لا يجب أن يظهر عليهم القلق أمام الأطفال ، ذلك حمل ثقيل ، يحتاج منا كل العون و المساعدة ، حتى الابتسامة لها مفعول سحري على هؤلاء المستضعفين ، دعوني أذكركم أيضا أن النازحون هم بشر من أشجع الناس ، يظلمهم العديد منا [ان نصفهم بالهاربين و الضعفاء ، و لكنهم أقوياء بصورة لا نعرفها ، و يجب أن نحترم رباطة جأشهم دوما و نحييهم عليها.

أريد أيضا أن نوه للمقال السابق الذي ذكرته عن القانون الإنساني الدولي و أهميته ، فإحترام القانون الإنساني الدولي يحفظ المؤسسات التعليمية و يتيح للمساعدات أن تصل ، هذا القانون يحمي الطرف الثالث ، يحمي النازحين ، ويحمل لهم الأمل أنهم حين يعودون ، سيجدون أقل ضرر ، و في العديد من الاحيان ، عندما يحترم القانون الدولي الإنساني ، قد لا يضطر البشر للنزوح أصلا.

لنعلم دوما أن حياة البشر مهمة ، و أنه يمكننا دوما العمل للحفاظ عليها و حمايتها  و صونها ، و المساعدة على ضمان الكرامة و العيش الكريم لكل الناس ، كل ما علينا فعله هو الاهتمام و المراعاة و التقدير.