الهجرة في ليبيا

رحلة الخوف و الأمل – 2

في مقال سابق تحدثت قليلا عن الرحلة التي يقوم بها المهاجرون عبر البحر بحثا عن عيش أفضل و خوفا و هربا من واقع مؤلم يواجههم في ليبيا ، و لكن تلك ليست الرحلة الوحيدة التي يقومون بها ، فقبل وصولهم لليبيا ، يقوم المهاجرون و اللاجئون برحلة عبر المدن و القرى حتى يصلوا للحدود الليبية ، لتبدأ بعدها رحلة الصحراء ، و هي رحلة صحراء ليس لأن ليبيا بلد قاحل أو أن الجنوب الليبي مقفر ، ولكن لأنهم يمرون من طرق التهريب و تلك هي الطرق الفرعية التي تمر بالصحراء و لا يعرفها جيدا إلا اهل المنطقة.

في الجنوب الليبي توجد العديد من المدن المأهولة بالسكان ، هي ليست كمدن الشمال و لكنها تظل مدن ، اضافة لبعض القرى هنا و هنالك ، يعرف العديد في ليبيا أن أهل الجنوب من أطيب الناس و يتسمون بالكرم و الجود ، عذرا .. أخذني الحديث عن الجنوب و صحرائه الخلابة ، سأتوقف هنا و أؤجل الحديث عن الجنوب الليبي لمقال آخر.

ما يحزنني هو الألم و المعاناة التي يمر بها المهاجرون و اللاجئون حتى يصلوا لمدن الشمال حيث فرص العمل أكثر و البحر أقرب في حال تدهور الحال ، بالنظر للخريطة ، نجد أن المهاجرين يصلون لليبيا من ثلاث جهات ، الشرق ، الوسط ، الغرب ، دعوني أوضح بعض المعلومات عن كل طريق.

WRLD-AF-03-0001-3

1 – الشرق: يأتي المهاجرون و اللاجئون لليبيا من دول شرق وسط أفريقيا ( القرن الأفريقي ) عادة من أريتريا ، إثيوبيا ، الصومال و السودان ، تعتبر السودان أهم المحطات التي يمر بها المهاجرون قبل الدخول لليبيا عبر مدينة الكفرة التي تقع في اقصى الجنوب الشرقي لليبيا ، و من الكفرة ينطلق المهاجرون لمدينة أجدابيا قبل الوصول للشمال. يعتبر أغلب القادمين من هذا الطريق هم لاجئون و طالبي لجوء سياسي و/أو ضحايا للاتجار بالبشر حيث أنهم قادمون من دول تعاني من الصراعات و القمع و الدكتاتورية ، ما يجعل العيش فيها من أصعب الأمور ، أنه من المؤلم أن نرى عائلات من نساء و أطفال يتركون كل شيء ورائهم للقدوم لليبيا ، هل تتصورون يوما أن تتركوا عائلاتكم و أحبتكم ورائكم هربا من القتل أو السجن أو الاغتصاب أو الموت جوعا أو الموت في حرب بين عصابات لا علاقة لكم بها؟ فكروا قليلا في ذلك.

2 – الوسط: يأتي المهاجرون و اللاجئون لليبيا من وسط أفريقيا عادة من دول نيجيريا و غانا ، و تعتبر النيجر و تحديدا مدينة أغاديز أهم نقطة يمر بها المهاجرون قبل الدخول لليبيا عبر عدة مناطق حدودية ، ليصلوا بعدها لمدينة سبها و منها ينطلق المهاجرون للشمال ، و يعتبر أغلب المهاجرين القادمين من وسط أفريقيا هم مهاجرون اقتصاديون أو ضحايا للأتجار بالبشر و قليل منهم من يطلب اللجوء حيث ان دول النيجر و غانا تعتبر ذات استقرار نسبي.

3 – الغرب: ياتي المهاجرون و اللاجئون لليبيا من دول غرب وسط أفريقيا عادة من السنغال ، بوركينا فاسو ، غينيا ، ليبيريا و مالي ، و يشترك القادمون في مرورهم مع القادمين من الوسط في المرور بمدينة أغاديز في النيجر ثم عبور الحدود لسبها ، و يعتبر المهاجرون أيضا من المهاجرين الاقتصاديين الباحثين عن فرصة لتحسين معيشتهم.

يقطع هولاء المهاجرون ما يزيد عن 3500 كم ، بعضها في الحافلة و الآخر إما في سيارة الأجرة ، سيارة التهريب أو على الأقدام. هل تتذكرون آخر رحلة قمتم بها بالحافلة او بالسيارة ؟ كم كانت مسافتها ؟ هل تتذكرون التعب و المشقة في السفر ؟ نحن نعتقد أن السفر بالطائرة متعب و الانتظار في المطار ممل و غير مريح ، فما بالكم بمن يسافر في الصحراء و الشمس و الغبار و التعب لأيام و يدفع أحيانا كل ما لديه ، ليبتعد كل البعد عن الألم و القهر و الخوف ، ليستكشف بلادا جديدة ، و يعيش بين أناس جدد ، منهم الطيب و منهم المستغل ، ذلك قرار شجاع و يتطلب الجرأة ، لا أعلم الكثير عنكم ، و لكننني أعلم عن نفسي أن إكرام الضيف واجب أخلاقي يحثنا عليه ديننا الحنيف ، أن نلطف بهم و نحسن جوارهم و نجبر خاطرهم و نساعدهم قدر الإمكان هي فرصة قد لا يجدها غيرنا لنعطي حياتنا قيمة ، قد لا يملك بعضنا مساعدتهم و لكن تذكروا ، الكلمة الطيبة و الابتسامة لا تكلف المال و لا الجهد.