الهجرة في ليبيا

رحلة الخوف و الأمل – 1

لم يأخذ القرار وقتا طويلا ، الأمر واضح ، هؤلاء ليس لهم مكان في هذا البلد ، أيام تمر و ليس هناك من حل ، المزيد يستمر في القدوم و المنافسة تزداد ، لا يمكنهم حتى ارسال المال لأهلهم ، مكاتب تحويل الأموال أغلقت ، الناس تنظر إليهم كعبء و تعاملهم بعنصرية ، القليل من يحترمهم و يوفر لهم العمل ، و لكن العمل لا يوفر لنا العديد من الأموال ، يجب الرحيل و لا مفر من ذلك

لن اتحدث الآن كثيرا عن اسباب الرحيل و لكن اود الخوض في تفاصيل الرحلة ، أو بعضا منها ، مثلا . كم تستغرق الرحلة ؟ و كم عدد المهاجرين الذين يسافرون؟ و أي طرق يسلكون ؟ و أود الحديث عن مخاطر الرحلة ، و في الختام ، من الذي يقوم بالإنقاذ؟

في الجزء الأول سأتحدث عن الرحلة من شمال ليبيا لجنوب أوروبا ، تبعد المسافة بين أقرب نقطة في شاطيء ليبيا و بين جزيرة لامبيدوزا ما يقارب عن حوالي 356 كم ( حوالي 194 ميل بحري ) ، تلك هي نفس المسافة بين مدينتي طرابلس في ليبيا و قابس في تونس بالسيارة ، و لكن الفرق هنا أن الطريق في البحر ليست مثل الطريق بالسيارة.

حين يقرر المهاجرون في ليبيا عبور البحر لأوروبا ، فإنهم يتخذون قرارا شجاعا و صعبا للغاية ، لماذا؟ حسنا ، أولا لأنهم يتركون ورائهم كل شيء و يبدؤون رحلة لا يعرف نهايتها أحد ، يخبرهم المهربون أنهم سيركبون في قارب مضمون به قليل من الناس و أن الرحلة لن تستغرق طويلا ، يملأ ذلك المهاجرين بالأمل ، يبدوا أن الخوف لا مبرر له بعد هذه الوعود و الضمانات ، لكن الواقع مختلف تماما.

فحسب روايات مؤكدة من مهاجرين نجو من الرحلة ، يقوم المهربون بإخفاء المهاجرين في بيوت مغلقة لأيام عديدة و أحيانا بدون أكل أو شرب حتى يكتمل العدد المطلوب ، ثم ينقلونهم إلى قارب مطاطي أو خشبي في عرض البحر ، ليجد فيه المهاجرون أنفسهم مع عدد يفوق طاقة المركب ، المئات في قارب لا يسع الكل ، و ذلك الأمر الواقع الذي يجب عليهم التعامل معه ، لا سبيل للعودة ، اركبوا و اسكتوا ! يعطي المهربون جهاز هاتف و بوصلة للمهاجرين و يخبرونهم بأن يرسلوا نداءات استغاثة كل فترة حتى يتم انقاذهم …. لكم ان تتخيلوا مقدار الرعب الذي يملأ نفوسهم ، و لا ننسى الغضب ، … لنقف هنا لحظة و نراجع أنفسنا ، ماذا لو طلبنا من أحد المقاهي وجبة بدون خضروات أو إضافات معينة ثم نفاجأ بوجودها؟ سنغضب و نطلب منهم تغييرها ، ماذا لو رفضوا؟ بينما نحن نتخذ قرارات بالغضب من هذا لأنه زاحمنا في الطريق أو ذاك لأنه لم يحضر الوجبة كما اردناها أو ذاك الذي زاد قيمة ربع دينار في سعر الجبن ، غيرنا يغضب من شخص يقرر ان رحلته ستكون في أسوأ حال و ان حياته قد تنتهي في لحظة يقرر فيها الموج ان يعلو …. الغضب لا يعني كثيرا للمهاجرين هنا ، الظروف قاسية لدرجة أنهم يرضون بما لديهم بالغصب ، فالأسلحة موجهة تجاههم و الأموال لن ترجع لهم ، انه فخ بكل معنى الكلمة ، و من وقع فيه هو ضحية للأكاذيب التي ينشرها المهربون اولا ، ثم ضحية لظروف الحياة التي دفعتهم للهجرة ، لا تستمر بطارية الهاتف لفترة طويلة ، ينفذ الشحن و يذهب معه الأمل في النجاة ، فيبقى توجيه البوصلة و الابحار و الأمل في الله و في محرك يحمل اكثر من طاقته ، لا ننسى ان الوقود سينفذ ايضا و بذلك يتوقف القارب عن المسير ، و يتوقف الزمن لدى هؤلاء المساكين ، و تتبعثر كل الكلمات أمام أسئلة اطفالهم ، أبي ، أمي ، متى سنصل ؟ هل سيأتي أحد لإنقاذنا ؟

قد يرى البعض أن المهاجرين قد قاموا بهذا الخيار عن قناعة و أنهم اذا غرقوا فذلك ذنبهم ، ليس ذلك صوابا على الاطلاق ، هل تتذكرون ؟ عند قيامنا بالذهاب في نزهة على شاطيء البحر … نحن نغضب كثيرا حين يبتعد اطفالنا قليلا عن نظرنا و نحذرهم من التقدم بعيدا عن الشاطيء ، نخاف أن يغرقوا حتا و لو كانو يحسنون السباحة ، تلك هي طبيعة البشر ، إذا كيف بذلك الأب أو الأم أو المهاجر الذي قرر التقدم و المخاطرة بكل شيء في سبيل حياة أفضل و هربا من جحيم اليأس؟

من يترك كل شيء و يخاطر بكل شيء في رحلة للمجهول قد لا تصل أبدا هو شخص قد ملأه اليأس لدرجة لا نتصورها ، ليس هنالك من شخص به ذرة أمل يدفع بنفسه و زوجته و أطفاله ليتركوا كل شيء و يواجهوا الموت بهذه الطريقة ، فلنفكر جيدا ، لا يجب أن نلوم الغير لنبعد اللوم عن أنفسنا ، يجب أن نحاسب أنفسنا ، هل فعلنا ما يجب علينا فعله لمساعدة هؤلاء المساكين و منعهم من السفر في هذه الرحلة عبر قوارب الموت؟ لا اعني ايقافهم و لكن توفير خيارات جيدة أو على الأقل معاملتهم بصورة جيدة ، قد يبدو ذلك بعيدا عن الواقع ولكن حسن المعاملة و وقف العنصرية و التمييز من أهم العناصر التي تجعل المهاجرين يغيرون من رأيهم في ترك ليبيا.

لا ينتهى الأمر هنا ، بل إن العديد من المهاجرين يمضون أياما في الرحلة ، و حين انقاذهم يعتقدون انهم بالقرب من الشواطيء الإيطالية ، و هذا ايضا بعيد عن الواقع ، فمعظم الذين يتم انقاذهم يرسلون نداءات استغاثة للقوات البحرية الإيطالية أو الليبية أو سفن الإنقاذ الأخرى ليتم مساعدتهم بالقرب من الشواطيء الليبية بمسافة لا تتجاوز غالبا 70 ميلا بحريا.

ماذا لو لم تكن هنالك سفن انقاذ؟ ذلك بكل بساطة يعني النهاية ، الموت اما غرقا أو عطشا او جوعا ، أو من ضربة شمس أو غيرها .. تخيلوا 400 شخص على متن قارب ، نحن لا نطيق حتا 10 اشخاص يزاحموننا في الطريق . يجب ان تتصوروا الأمر ، ضعوا انفسكم في نفس الموقف ، ذلك مرعب و مخيف.

الفرق الذي يمكننا ان نحدثه بسيط ، من يترك ليبيا هو شخص يبحث عن عمل او احترام أو ملجأ و مسكن ، طعام و قوت لأهله و أطفاله ، لو نظرنا لأسلوب حياتنا ، لابد و أن نجد مساحة و طريقة نساعدهم بها ، لن أقترح عليكم شيئا هنا ، التفكير مفتوح لكم ، الأساس هو أن نجعل من هؤلاء المهاجرين و اللاجئين جزءا من تفكيرنا و نقسم لهم بعض ما نملك ، فيوما ما كان بعض الليبيون و مازال بعضهم لاجئون في أمس الحاجة للمساعدة.