الهجرة في ليبيا

غير شرعي أم غير نظامي؟

“الهجرة مصطلح يشير إلى انتقال الناس أفرادا أو جماعات من موطنهم الأصلي إلى مكان آخر والاستقرار فيه بشكل دائم أو مؤقت بحثا عن مستوى أفضل للعيش والسكن والأمن.” – ويكيبيديا

قد سمع العديد منا في ليبيا الأخبار و التطورات عن حركة الهجرة و النزوح التي يشهدها العالم ، بالطبع فليبيا هي أحد البلدان التي يقطنها العديد من المهاجرين ، و عالميا تم تصنيفها كبلد مقصد و عبور ، ذلك يعني أن المهاجرين يقصدون ليبيا للبقاء فيها أو أنهم يمرون بها للسفر لأوروبا او غيرها من البلدان.

و قد بينت في مقال سابق كيف يستخدم الناس في ليبيا مصطلح الهجرة الغير شرعية – Illegal Migration في تسمية المهاجرين و في بعض الأحيان نسميهم العمالة الوافدة ، تحديدا أولئك من دول الجوار أو البلدان التي تقع جنوب الوطن العربي أو من آسيا ، اما غيرها من البلدان فنعتبرهم أجانب و حسب.

لنقف هنا لحظة و نتفهم معنى الهجرة الغير شرعية ، الهجرة و قد عرفناها في الأعلى ، اذا يتبقى من النص ( الغير شرعية ) ، و ذلك ببساطة يعني غياب التشريع أو القانون الذي يجيز القيام بهذا الفعل ، لحظة , تشريع و قانون ؟ هل يمكننا أن ننظر لحركة الإنسان بأنها شرعية أو غير شرعية؟ لنفرض أن الجواب هو نعم , إذا اين هو القانون الذي يحدد ذلك ؟

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948 في بعض مواده على التالي:ـ

المادة 13.

ـ1ـ  لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة

ـ2ـ يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.

المادة 14.

ـ1ـ لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد.

ـ2ـ لا ينتفع بهذا الحق من قدم للمحاكمة في جرائم غير سياسية أو لأعمال تناقض أغراض الأمم المتحدة ومبادئها.

ثمة إتفاق عام على أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يشكل أساس القانون الدولي لحقوق الإنسان. وهذا الإعلان، الذي اعتمد منذ اكثر من 60 عاماً تقريباً، كان مصدر إلهام لمجموعة ضخمة من معاهدات حقوق الإنسان الدولية ذات الإلزام القانوني.

إذا في الأطار العام ، تعتبر حركة الإنسان حول العالم شرعية ، و ما يحدد ذلك هو القانون الدولي العام ، فلماذا نطلق عليها هجرة غير شرعية ؟ في الغالب أن هذه التسمية جاءت كتحوير بعد ترجمة حرفية لمصطلح هجرة غير قانونية – Illegal Migration ، و هنا يحصل الخطأ و الالتباس

الهجرة كفعل هي حركة إنسانية مرتبطة بحقوق الإنسان فلا يجب أخلاقيا و عمليا أن نمنع شخص في حاجة لترك مكانه أو بلده من الهجرة لمكان آمن بعيدا عن اي خطر لأن ذلك من حقهم ، و حقوق الإنسان مكفولة في كل بلد بعدة أشكال و صور تشمل الدساتير و القوانين التشريعية و الاتفاقيات الدولية .. إلخ ـ

cq5dam.web.699.470

عمليا يطلق الناس مصطلح الهجرة الغير شرعية على فعل معين و هو دخول شخص أجنبي لبلد ما بدون استكمال كافة الإجراءات و الضوابط التي تحدد كيفية و شكل دخول الناس لهذا البلد ، و غالبا ما تكون هذه الاجراءات و الضوابط خاضعة لقانون معين يسمى قانون الهجرة ـ

قانون الهجرة هو القانون الذي يقصد به السياسات و الضوابط المعمول بها في الحكومات الوطنية و التي تتحكم في ظاهرة الهجرة إلى أراضيها ، ضبط الهجرة بشكل أو بآخر مفروض من معظم البلدان وهو حق أصيل للدولة ذات السيادة ، قانون الهجرة، يختص بالمواطنين الأجانب ووضعهم القانوني في البلد ، و لا علاقة له بقوانين الجنسية التي تحكم الوضع القانوني للشخص. – المصدر: ويكيبيديا.

و بذلك و في الحالة العامة فإن قوانين الهجرة تعتبر قوانين إدارية و ليست جنائية ، مثل قانون تحديد ساعات الدوام الرسمي أو سن التقاعد ، قد لا تنطبق هذه الحالة على ليبيا و قد يعتقد العديد أن ما ذكرته هو فلسفة زائدة و تحليلات , و أن الواقع بسيط , كل من دخل البلاد بدون أوراق و إذن رسمي هو مجرم و يجب القبض عليه و لكن الأمر ليس بتلك البساطة و ذلك لا يعتبر منطقيا ، و إلا كان لزاما القبض على كل من يتكاسل عن عمل ساعات الدوام كلها. هذه النظرة الضيقة هي ببساطة نظرة قاصرة و تفتقد للمعلومة ، و هي مبنية على اساس ضعيف و سوء فهم  و تحمل في طياتها بعض العنصرية.

إن التسمية الصحيحة يجب ان تتغير لتصبح: هجرة غير نظامية –Irregular Migration ، فهو الوصف الأكثر واقعية و منطقية لما يحدث ، دعنا نتحدث عن ليبيا تحديدا ، إن العديد يدخلون لبلادنا و هم يدخلون بصورة غير منظمة و هذا بالتحديد ما أقصده ، هم يخرقون قانون الهجرة رقم 19 الصادر في سنة 2010 م و لكنه قانون إداري يقضي بالقبض على من يدخل البلاد بصورة غير رسمية حتى يتم ترحيله ، و لكنه لا ينص في أي من مواده أن المهاجر مجرم ، بل ينص على ايقافه على ذمة التحقيق و محاكمته و ترحيله ، أو اطلاق سراحه في حالة ثبوت برائته ، و سأتحدث عن هذا القانون بالتفصيل في مقال آخر.

و هناك بعض الأحيان التي يستخدم فيها مصطلح ( مهاجر غير موثق – Undocumented Migrant  ) و ذلك وصف أكثر دقة لأي مهاجر لا يمتلك وثائق ثبوتية أو تصريحات دخول للبلاد

نحن في القرن الحادي و العشرون و يجب علينا أن نكون في مستوى التحصيل المعرفي الذي يجعلنا نعلم ما نقول و نفعل ما هو أنسب ، إن مصطلح الهجرة الغير نظامية ذو أساس إنساني و هو الغالب في الاستعمال لدى المنظمات التي تسعى للدفاع عن حقوق الإنسان و المهاجرين بصورهم المختلفة ، نحن لا يمكننا بأي حال أن نقول عن اي انسان بأنه غير شرعي ، الأمر واضح ، الشرعية صفة للأفعال و ليست صفة لأي إنسان. لقد تم اعتماد مصطلح الهجرة الغير نظامية من قبل الأمم المتحدة و الاتحاد الأوروبي و الآسيوي و العديد من المنظمات المحلية و الدولية تنادي بضرورة استخدام هذا المصطلح لأنه الأنسب

حسنا هنا يدفعنا سياق الحديث للتفصيل عن أنواع الهجرة ، تتسائلون ؟ نعم للهجرة أنواع و المهاجرون لهم عدة أسباب ، يعرف ذلك بمصطلح الهجرة المختلطة – Mixed Migration و هذا ما سأتحدث عنه في المقال القادم