الهجرة في ليبيا

هل نحن قوم عنصريون؟

يشير مصطلح العنصرية الخفية إلى ذلك الشكل الأكثر تعقيداً وخفاءً من العنصرية، والذي يظهر، بصورة غير واعية، لدى الأشخاص الذين يعلنون التزامهم بقيم التسامح والمساواة ، أطلق جون ف. دوفيديو وصامويل ل. غارتنر نظريتهما حول “العنصرية الخفية” عام 1986، وذلك بعد أبحاث ميدانية ونظرية بدآها على الأرجح قبل عام 1973، حين أجريا تجربة على مجموعتين من البيض، ليبراليون ومحافظون، أسست نتائجها فيما بعد لنظرية، ومصطلح “العنصرية الخفية.   – المصدر: موقع ويكيبيديا

في حين ينزع الأشخاص العنصريون صراحة إلى إعلان وجهات نظرهم التي تزدري الفئات الأخرى، يتخذ “العنصريون الخفيون” مواقف دفاعية حين يُواجهون بمواقفهم العنصرية غير المقصودة بالتأكيد على إيمانهم الواعي بمبادئ المساواة، وإعطاء تبريرات أخلاقية لمواقفهم العنصرية، وبذلك تعد “العنصرية الخفية” شكلاً متطوراً عن العنصرية التقليدية التي تتميز بالوضوح والإعلان.

في ليبيا يرى العديد منا في يومهم الطويل بعض المهاجرين في الشارع هنا و هنالك ، و قد يراهم البعض في يومه لأنه يحتاجهم ، هؤلاء المهاجرون يقدمون العديد من الخدمات في ليبيا ، بالطبع ذلك جزء من سبب تواجدهم في أرضنا ، للعمل ، و ماذا ايضا؟ البعض يعرف أنهم يريدون عبور البحر المتوسط لأوروبا ، يبدو ذلك بسيطا في الوهلة الأولى ، عبور البحر؟ ذلك أمر مخيف، حوالي أربعمائة كيلومتر بين شاطيء طرابلس و أقرب نقطة في الشمال الغربي ، لامبيدوزا ـ

distance trip - lampi

مهلا ، تلك مسافة بعيدة، طبعا بعملية حسابية بسيطة نجد أن القارب يتحرك بسرعة أربعين كيلومتر في الساعة في الحالة العادية ، و لكن بزيادة العدد تصبح السرعة أمرا خطيرا قد يسبب في غرق القارب ، بتصوري أن السرعة لا تزيد عن 15 كيلومتر في الساعة ، نضيف لذلك البحر و الأمواج …

غالبا يحتاج المهاجرون يومان في أفضل الحالات للوصول ؟ لنتوقف هنا و نفكر في ذلك بعض الوقت … يومان في البحر بدون اكل او شرب؟ ذلك كثير .. سنتحدث عن الرحلة في مقال آخر بتفاصيل أكبر ..

المهم أننا نراهم و لا نبالي اهتماما كثيرا . لدينا من المشاغل ما يكفينا ، لا نملك الوقت لنفكر في همومهم ، كل ما نعرفه أننا عندما نحتاج لصيانة شيء في المنزل ننادي أحدهم ( برا يا ولدي جيبلنا عبيد يصلحلنا الشيشمة ) ( برا يا ولدي جيبلنا عبيد يزوقلنا الروشن ) هم بالنسبة لنا عبيدات ( عبيدات هو جمع كلمة عبيد و عبيد هي تصغير لكلمة عبد) يمتهنون ما نظنه مهنة وضيعة ، اجل لنسأل أنفسنا . هل نرضى لأبنائنا أن يشتغلوا في صيانة ( الشيشمات ) أو ( تزويق الرواشن ) ؟ طبعا لا . أريد ابني أن يكون مهندسا أو دكتور ، ذلك موضوع آخر سأتحدث عنه في مقال آخر ، نحن نعتقد أن هؤلاء البشر ذوي البشرة السمراء هم موجودون للقيام بأعمال معينة فقط و عندما نحتاج تلك الأعمال سنبحث عنهم فقط و سنتذمر إذا لم نجدهم ، ( يا بوي ، دورت سبعين طريق ملقيتش ولا واحد عبيد ، شكله هاربين من الشرطة ! و لا كلهم هربوا من البحر و سيبونا ) نعم ، تلك مشكلة أخرى يعانونها ، الهروب من الشرطة ، ليس فقط ضيق العيش و الجلوس لساعات يومية في الشمس و البرد أحيانا في انتظار ( واحد يبي يزوق أو يصلح الروشن أو يملعق أو يزلز أو غيرها) ، ذلك مؤلم أليس كذلك؟ أن تطارد و أنت تسعى لكسب لقمة العيش؟ ( تي خيرك متشنج؟ هما اصلا هجرة غير شرعية .. خاشين البلاد من غير وراقي ) مهلا .. تذكرت ، اضافة لمعاناتهم السابقة نحن نطلق عليهم اسم: هجرة غير شرعية ، إن مصطلح الهجرة الغير شرعية لا يطلق على الأفراد بل هو وصف لشكل من أشكال الهجرة ، الصور توضح ما أعنيه.

نادرا ما نكترث لأسمائهم قد نطلق عليهم اسم العمالة الوافدة عند التعميم و ذلك ليس خطأ و لكنه غير دقيق ، فالعديد منهم جاءوا لليبيا لطلب اللجوء و الهرب من قمع و ظلم الحكام في بلدانهم و لإنقاذ عائلاتهم و انفسهم من النزاعات المسلحة ، و لكن في الغالب العام بالنسبة لنا هم عبيدات هجرة غير شرعية ، بالرغم من أن بعضهم يملك كل الأوراق ، و لكننا نحكم بالمظهر و نطلق الأسماء حسب المزاج .. حسنا ، بالحديث عن تسمياتهم ، نحن نعلم ما نسميهم ، و لكن ماذا نقول حين نريد مناداتهم ؟ ( مودير ، انت مودير ، انا نبي واهد ملعق حوش .. مية مية؟ ) نناديهم مودير ( مودير هي نطق لكلمة مدير) ، نحن نقلد لهجتهم حين ينادوننا ، و هم ينادوننا مدير لأننا نستخدمهم في العمل، تلك درجة أخرى من العنصرية و التهكم عليهم ، في ليبيا لا نكترث كثيرا بالأسماء ، لا يهمنا ما اسم الشخص الذي نستخدمه ، ( تي شن تبيني نحفظ اسمه؟ هوا اصلا مش عربي و ابصر كيف اسمه … في منهم مسلمين و اساميهم زي العرب لكن مش فاضي نحفظ اني عندي مواضيع في راسي) ، لحظة ، لنفكر قليلا ، اليس جميلا أن نسأل أحدا من السنغال عن اسمه؟ ( اهلين , نبي واحد يصلحلي الشيشمة ، اوكي؟ مية مية … شن اسمك؟ ” اسمي أمادو ” جميل و شن معناها؟ ” معناها أحمد بلغتنا” .. انت مسلم؟ “ايه اني مسلم و الحمد لله” … أوكي وصلنا .. شوية بس نشوفلك الطريق )

أرأيتم ؟ ذلك ليس أمرا صعبا ، بل يزيد من ثقافتنا ( شن هوا؟ أمادو؟ .. تي اني مش حافظ شن نوع تلفوني تبيني نحفظ امادو ؟ .. مودير تعال هني قيم شكارة الشيمينت هادي ) ، نحن ايضا نسميهم بحسب جنسيتهم ، مصري ، تونسي ، سوري ، سوداني ، و نختصر بنغلاديشي في كلمة بنغلا ، أما أولئك من دول جنوب الصحراء لا نكترث دوما عن جنسيتهم ، فحسب لون بشرتهم هم فقط ( عبيدات ) .. ( تي كلهم يشبهوا بعض ، كيف تبيني نفرق بيناتهم ؟ ) هكذا هي عنصريتنا ، مؤذية ، سيئة و محزنة ! لا ينتهى الأمر هنا للأسف ، نحن ننظر اليهم أيضا انهم مليؤون بالأمراض و غير نظيفين ، ذلك ليس صحيحا في كل الأوقات ، نحن نحكم على نظافة الشخص من ملابسه و لكن لحظة … ، كيف نطلب من شخص يشتغل في البناء أو الطلاء أن يلبس ملابس جديدة دوما؟ ذلك غير منطقي ، اذا نحن في المربع الخاطيء .. ( تمام ) هذا بالنسبة للنظافة ، ماذا عن الأمراض ؟ ( تي هما كلهم خاشين البلاد من غير وراقي لا كشف لا شي … بتقولي مفيهمش مرض معناها انتا وهمي و دماغك يبي سفتوير ) كلهم ؟ ( أوكي مش كلهم لكن اغلبهم ) ، نحن لا نسألهم ، فقط نحكم عليهم و نتعامل معهم على هذه الأساس ، انت ايضا مريض و تعاني من الايدز .. صحيح؟ ( شن هوا؟ متغلطش في الدوة خوي ، اني نظيف من يومي  يا خونا ) ، هنا مربط الفرس ، نحن نرضى لغيرنا ما نكره لأنفسنا ، هؤلاء البشر هم مثلنا ، و يجب أن نفكر فيهم كما نفكر في انفسنا ، العديد منهم حين تقبض عليهم الشرطة تضعهم في مراكز احتجاز غير مهيئة و غير معقمة ، تجد العشرات منهم مع بعض و العديد منهم يمضى أحيانا شهورا في هذه المراكز ، اذا من المنطقي ان يمرض بعضهم داخل هذه المراكز أو ان يتلقى العدوى من الغير ، ذلك ليس فقط منطقيا بل هو واقع رأيته بنفسي ، هنا ايضا سأوجل الحديث عن مراكز الاحتجاز لمقال آخر .. يجب ان نفكر كثيرا في نظرتنا لهؤلاء المهاجرين و لماذا نحن نتصرف بهذه الطريقة؟ هل هو واقع افقنا لنجده امامنا و نحن نتعامل معه كما هو؟ تلك حقيقة مؤلمة .. ( من يومهم هما الهجرة الغير شرعية لقيناهم هكي يخدموا في البني و الشيمنت و التنظيف و مش نظاف يا خوي اني نقولك شفتهم ، و يبوا زيادة فلوس ديما .. تقوله خمسين يقولك شوية ) .. اها ، بالحديث عن الأسعار ، هل فكرنا يوما ماذا سنطلب من أجر لو نحن قمنا بالعمل الذي نطلبه من المهاجرين ؟ حتما أجرنا سيكون أكثر .. لماذا؟ سأدعكم تجاوبون عن هذا السؤال بأنفسكم ، ( رسمي يا خوي ، تجي تكلم واحد ليبي تقوله دير حاجة يقولك 200 جني ، وين يا … نجيب واحد مصري كلمة مني كلمة منك … يخدمها بسبعين جني و اني الرابح ! ) ذلك أمر مؤسف آخر ، يعانون من العنصرية و يعيشون واقعنا المؤلم و مع ذلك يرضون بأجر أقل و هم في خطر من الترحيل أو القبض عليهم أو التعدي عليهم ، هل نحن قوم عنصريون ؟ ( أبدا .. حني أكثر شعب طيب .. اسأل اي حد يقولك قداش الليبيين كويسين!).

حدثني أحد المهاجرين يوما و قد كان يشتغل بصورة شرعية في طرابلس أن الأطفال في الشارع قد سرقوا منه دراجته الهوائية ( هههههه خنبوا منه بشكليطته؟ مسكين! ) … ذلك محزن .. و لكن الأكثر ألما أنه قبل ذلك قد اطلقوا عليه النار من (مسدس تركي) و الحمد لله قد نجا بأعجوبة ، لماذا نحن نتصرف بهذا الشكل؟ من الذي اخبرنا في صغرنا أننا أكثر حقا و أهمية من هؤلاء؟ هل هي المواطنة؟ ( خوي أني ليبي هادي بلادي عندي فيها حقوق .. هوا بلاده مكان تاني … مدام جي هني يتحمل) .. مؤسف ايضا ان نكون بهذه السلبية ، أن نتصرف بخطأ ثم نهز رأسنا و كأن التغيير يفوق طاقتنا أو أن المعاملة الحسنة ستكلفنا اموالا طائلة ،

خذوا لحظات من وقتكم و فكروا ، هل لأن احدا لجأ لبلدنا يوما ما هربا من ظروف الحياة يجعله أقل قيمة منا نحن سكان هذا البلد ؟ طبعا لا ، لنفكر في اسباب تصرفاتنا و سنجد اننا فقط نتعامل مع وضع مزري نتيجة ثقافات غير صحيحة و قد آن الوقت لنغير معاملتنا ، هو خيار نحن نملكه ، ليس بالأمر الصعب كما يعتقد البعض ، فقط قبل أن تقول كلمة ( عبيد ) فكر و استخدم كلمة أخرى ، قبل أن تقول مصري ، اسأل عن اسم الشخص ، قبل أن تقول هجرة غير شرعية .. استخدم كلمة مهاجر غير نظامي ..( شن هوا؟ مش نظامي؟ شكلك امورك ملخبطة انت . تي مش شرعي هوا خاش تهريب للبلاد .. معناها غير شرعي )

صديقي ، دعني أوضح لك الفرق بين المصطلحين في المقال التالي.

Comments

  1. اراك قد سلطت الضوء على الجانب السيء فقط في معاملة العمالة الوافدة الى البلاد , يعتبر الشعب الليبي شعب كريم مضياف الم تلاحظ ان اغلب العمال الذين قد يعملون في منازلنا في العادة نكرمهم ، بالاضافة الى ان اغلب من تصفهم بالمدراء سواء اكان من جنوب افريقيا او مصر و السودان يعودون بجيوب ممتلئة الى بلدانهم ، الوضع الامني المتردي و غياب الدولة هو ما جعل سفهاء القوم في مقدمة المشهد و سفهاء القوم اضرو بالليبين قبل غيرهم و الحروب الحاصلة اكبر دليل على ذلك